محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
38
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
ومن كلامهم : الوقت سيف ، أي : كما أنّ السيف قاطع فالوقت بما يمضيه الحق ويجريه غالب . وقيل : السيف ليّن مسّه ، قاطع حدّه ؛ فمن لاينه سلم ، ومن خاشنة اصطلم « 1 » ، كذلك الوقت : من استسلم لحكمه نجا ، ومن عارضه بترك الرضا انتكس وتردّى « 2 » . وأنشدوا في ذلك : وكالسيف إن لا ينته لان مسّه * وحدّاه إن خاشنته خشنان ومن ساعده الوقت : فالوقت له وقت . ومن ناكده الوقت : فالوقت عليه مقت » « 3 » . هذا كلام الإمام أبي القاسم ، وهو موافق لما ذكره صاحب الكتاب ، واللّه الموفق . إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفس . إذا كان العبد متلبّسا بحال من أحوال دنياه ، وكان له فيها شغل يمنعه من العلم بالأعمال الصالحة وأحال ذلك العمل على فراغه من تلك الأشغال وقال : « إذا تفرغت عملت » فذلك من رعونة نفسه . والرعونة : ضرب من الحماقة ، وحماقته من وجوه : الأول : إيثاره الدنيا على الآخرة ، وليس هذا من شأن عقلاء المؤمنين ، وهو خلاف ما طلب اللّه منه ، قال اللّه تعالى : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى [ الأعلى : 17 ] . والثاني : تسويفه بالعمل إلى أوان فراغه ، وقد لا يجد مهلة ، بل يختطفه الموت قبل ذلك ، أو يزداد شغله ؛ لأن أشغال الدنيا يتداعى بعضها إلى بعض ، كما قيل : فما قضى أحد منها لبانته * ولا انتهى أرب إلّا إلى أرب « 4 » والثالث : أن يفرغ منها إلى الذي لا يرضيه من تبدّل عزمه وضعف نيّته ، ثم فيه من دعوى الاستقلال ورؤية الحول والقوة في جميع الأحوال ما يستحقر في جنبه جميع هذا ، بل الواجب عليه أن يبادر إلى الأعمال على أي حال كان ، وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل مفاجأة الموت وحلول الفوت ، وأن يتوكّل على اللّه تعالى في تيسّرها عليه ، وصرف الموانع
--> ( 1 ) اصطلم : استؤصل . ( 2 ) انتكس : وقع على رأسه . تردى : وقع في الهلاك . ( 3 ) المقت : أشد البغض . ( 4 ) اللّبانة : الحاجة ، وما يطلبه المرء عن رغبة وشهوة ( ج ) لبانات ولبان .